أخبار الوطن

تعديل الدستور بين الائتلاف وإدارة الاختلاف (2

د/عمار خبابة

سأواصل في هذا العمود التطرق لما تبقى من نقاط الاختلاف وأبدأ بتعيين نائب لرئيس الجمهورية ، اذ من الملاحظ ان النص جاء بصيغة يمكن تعيين نائب للرئيس هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فان التحفظ غير وارد بخصوص إمكانية التعيين ، بل بشكل كبير في تولي نائب رئيس الجمهورية المعين من طرف الرئيس لمهام رئيس الجمهورية لباقي العهدة الرئاسية وهو غير منتخب ، ولذلك فانه من غير الدستوري أن يتولى اطار معين مهام وسلطات رئيس منتخب حتى ولو تم تعيينه من قبل الرئيس.

وهناك مسالة أخرى هي محل اختلاف كذلك ويتعلق الأمر بإمكانية صدور قانون يخص بعض البلديات بنظام خاص ، ويبدو أن هذه المسألة رغم ان المشروع وضعها في حدود الإمكانية ، أي قد تحدث وقد لا تحدث ، فان النقاش ذهب بعيدا وحمل المسألة أكثر مما تحتمل ، والحال أن النظام الخاص يقصد به في تصوري منح بعض البلديات نظاما خاصا نظرا لطبيعتها الجغرافية والإقليمية كمدينة العاصمة مثلا والتي عرفت هذا النظام الخاص عدة مرات نذكر منها نظام المجلس الشعبي لمدينة الجزائر P V A C ثم حل محله المجلس البلدي المؤقت للتكتل الحضري لمدينة الجزائر ، ثم مجلس التنسيق الحضري لولاية الجزائر العاصمة ، وعليه لا اعتقد أن الأمر يحتاج كل هذا التهويل كما ذهبت إلى ذلك بعض الكتابات بأن الأمر يِؤدي إلى تقسيم البلد هذا وان النقاش الدائر حاليا بالنسبة لتمازيغت فاعتقد أن الاعتراض ليس مبدئيا بقدر ماهو تخوف من هيمنة لهجة معينة واعتمادها هي لغة تمازيغت ، لكن لو تمكن النقاش من إبراز وشرح الابعاد التي يرمي إليها النص الدستوري الذي جعل على عاتق الدولة مسألة التكفل بتطوير كل تنوعات تمازيغت اللسانية المستعملة عبر التراب الوطني ، وإحداث مجمع جزائري للغة تمازيغت وهي ما يعبر عنه المختصون باللغة المعيارية الجامعة بين جميع لهجات تمازيغت فان حدة النقاش ستقل ، ويتوجه الى مناقشة هذه التفاصيل بعيدا عن النزعة المتشددة والمتطرفة من هذه الجهة او تلك .

التوازن بين السلطات جوهر الإصلاحات

إن المتابع لما يجري من جدل منذ مدة حول طبيعة النظام السياسي وكذا بمناسبة مشروع تعديل الدستور في أيامنا هذه يرى بان النقاش الذي تناول موضوع الفصل بين السلطات وتنظيمها وتوازن الصلاحيات بينها ولا سيما علاقة رئيس الجمهورية برئيس الحكومة ، وعلاقته بالبرلمان والعدالة لم ينصب على انتقاد ازدواجية السلطة التنفيذية التي ألغيت في تعديل 2008 بل تركز على سلبية فتح العهدات الرئاسية والتراجع عن هذه الازدواجية واللذان يعتبران من اهم العوامل التي جعلت النظام السياسي الجزائري فريد من نوعه في العالم حتى أطلق عليه وصف النظام الرئاسوي ، وهذا النظام السياسي هو الذي أوصل البلد مع عوامل أخرى لاسيما ظاهرة الفساد إلى انسداد كاد أن يقضي على الدولة .

ولذلك من الأهمية بمكان القول أن التغيير الذي ناشدته الأوساط السياسية والحقوقية في مبادراتها هو الذهاب إلى إحداث توازن حقيقي بين السلطات خاصة بتقييد سلطة رئيس الجمهورية على النحو التالي : ـ ضرورة تعيين رئيس الحكومة من الأغلبية البرلمانية ،وهو الذي يختار أعضاء حكومته ويقترحهم على رئيــس الـجمهورية لتعيينهم ، ويضبط برنامج حكومته ويعرضه على الـمجلس الشعبي الوطني للـمصادقة بعد مناقشة عامة وعلنية يـمكن خلالها لرئيس الـحكومة أن يكيفه في ضوء هذه الـمناقشة .

وفي حالة عـــدم مصادقة الـمجلس الشعبي الوطني علــى البرنامج الـمعــــروض عليه ، يقدم رئيس الـحكومة استقالة حكومته .

و يعين رئيس حكومة جديد حسب الكيفيات نفسها . فإذا لـم يحصل على موافقة الـمجلس الشعبي الوطني ينـحل المجلس وتـجري انتـخابات تشريعية جديدة .

وفضلا عن الصلاحيات المنصوص عليها في المشروع التمهيدي يضاف الى صلاحيات رئيس الحكومة سلطة التعيين في الوظائف المدنية للدولة التي يجب إعادة توزيعها بينه وبين رئيس الجمهورية . ــ التخلي عن مجلس الأمة تماما ، وإذا كان ولابد من الإبقاء على الغرفة الثانية بالبرلمان ، فانه يتعين انتخاب أعضائها عن طريق الاقتراع العام والمباشر بنسبة عضوين او ثلاثة عن كل ولاية تتوفر فيهم شروط السن والكفاءة العالية وإلغاء الثلث الرئاسي أما بالنسبة للعلاقة مع السلطة القضائية فيتعين إعادة النظر في تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء بإسناد رئاسته بالتداول بين الرئيس الأول للمحكمة العليا ورئيس مجلس الدولةالمساواة أمام القانون ومشروع التعديل الدستوري

 

جاء في رسالة تكليف رئيس الجمهورية للجنة الخبراء التي أسندت لها مهمة مراجعة وإثراء الدستور حتى يكون منسجما مع دولة القانون محور تحت عنوان “تعزيز المساواة بين المواطنين أمام القانون,.

ولئن تطرق المشروع التمهيدي لتعديل الدستور إلى الحصانة البرلمانية فحصرها في النشاط البرلماني بالمعني الدقيق للمصطلح، مستثنيا الأفعال التي ليس لها علاقة مباشرة بالمهام البرلمانية والتي يتمتع فيها عضو البرلمان بحصانة إجرائية فقط، حيث يمكن أن يكون محل متابعة قضائية في الأعمال غير المرتبطة بمهامه البرلمانية بعد تنازل صريح منه، أو بعد قرار رفع الحصانة وفق الشروط التي يحددها القانون.

فإن المشروع التمهيدي قد أغفل أمرين مهمين يندرجان تحت هذا الباب، وهما إلغاء الامتياز القضائي تكريسا لمبدأ المساواة أمام القضاء، ونعني بالامتياز القضائي الذي تنص عليه المادة 573 من قانون الإجراءات الجزائية، والتي تجعل من أعضاء الحكومة وقضاة المحكمة العليا والولاة ورؤساء المجالس القضائية والنواب العامين مواطنين من الدرجة الأولى، تتم متابعتهم والتحقيق معهم أمام المحكمة العليا، حيث تطرق المشروع التمهيدي باحتشام إلى الموضوع فنص في المادة 37 منه (32 سابقا) بالقول: كل المواطنين سواسية أمام القانون “ولهم الحق في أن يضمن لهم حماية متساوية” ولا يمكن أن يتذرع بأي تمييز يعود سببه إلى المولد… أو أي شرط أو ظرف آخر شخصي أو اجتماعي.

وإذا سلمنا بأن تكريس هذا المبدأ مجاله قانون الإجراءات الذي يتعين تعديله وحذف المادة 573 منه، فإن الأضمن هو النص صراحة في الدستور بإلغاء هذا الامتياز.

والأمر الثاني تنص عليه المادة 36 من الدستور بالقول ان الدولة تعمل على توسيع حظوظ المرأة في المجالس المنتخبة، وجاء القانون العضوي استنادا لهذه المادة وفرض على الأحزاب وعلى القوائم الحرة أثناء الترشح للمجالس المنتخبة تحت طائلة الرفض ترشيح المرأة في حدود الثلث في بعض القوائم، وفي حدود النصف في قوائم أخرى حسب نسب حددها هذا القانون، وهذا الفرض يتعارض ومبدأ المساواة أمام القانون يتعين إلغاؤه.

الحراك الشعبي والتعديل الدستوري

لم تكن المطالب الشعبية أثناء الحراك الشعبي الذي انطلق يوم 22 فيفري 2019 ترمي الى رفض العهدة الخامسة فحسب ، بل كان طموح المواطنين يهدف إلى أصلاح عميق في نظام الحكم ، وذلك ببناء دولة القانون الضامنة للحقوق والحريات الفردية والجماعية ، والمكرسة للفصل بين السلطات والتوازن بين بين الصلاحيات، وعلى الرقابة الشعبية لعمل السلطات وعلى قضاء مستقل ، كما تهدف إلى ضمان الشفافية في تسيير الشؤون العامة والمال العام والثروة الوطنية ، فهل استجاب المشروع التمهيدي لتعديل الدستور لهذه المطالب والى اي مدى .
لقد اعتبر المشروع الحراك الشعبي حدثا متميزا في تاريخ الشعب الجزائري بما كان له من أثر على الوضع الوطني ، وهو ما استوجب ذكره في الديباجة وفضلا عن الجانب الشكلي للمشروع الذي اقترح ترتيبات عدة لإحداث الانسجام في النص الدستوري ، فان جوهر مشروع التعديل انصب على عدة محاور أهمها محور الحقوق والحريات الأساسية والحريات العمومية ، ومساواة المواطنين أمام القانون ، وتعزيز الفصل بين السلطات وتوازنها ، وتعزيز مؤسسات الرقابة والوقاية من الفساد ، واخلقه الحياة العامة ، ودسترة سلطة تنظيم الانتخابات .

ومن الترتيبات والمسائل التي نرى أنها جاءت استجابة للمطالب الشعبيةعلى سبيل الذكر لا الحصر ؛ النص على الضمانات القانونية لممارسة الحقوق والحريات ، واعتماد نظام التصريح عوض الترخيص لممارسة حق الاجتماع والتظاهر ، وعدم تقييد الحقوق والحريات إلا عن طريق قانون صادر عن البرلمان ، وترسيخ مبدأ الأمن القانوني ، وإقرار مبدأ التصريح لإنشاء الجمعيات وعدم منع نشاطها او حلها الا من طرف القضاء ، واعتبار سكوت الإدارة في جميع الحالات بمثابة قرار بالقبول ، وإقرار حق المواطن في تقديم عرائض إلى السلطات العمومية وإلزامها بالرد عليها ، وإلزام الحكومة عند تقديم مشاريع القوانين بإرفاقها بمشاريع النصوص التنظيمية اللازمة لتنفيذها ، وإبعاد وزير العدل عن تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء و إسناد نيابة الرئيس للرئيس الأول للمحكمة العليا ، واستبدال المجلس الدستوري بمحكمة دستورية ذات صلاحيات أوسع ، والعودة إلى منصب رئيس الحكومة لكن بصلاحيات واسعة يقتضيها المنصب ، وجملة من الحقوق والترتيبات سنتطرق اليها لاحقا مع اقتراح ترتيبات إضافية .

د/عمار خبابة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock