فتاوى اسلامية

وُصْلةُ الأسْبوع /…. سَـألَ سـائِــل :

محمد الشريف شايب

وُصْلةُ الأسْبوع /…. سَـألَ سـائِــل :

فقال : قرأتُ الآية : [إن الله لا يَستحيِي أنْ يضربَ مثلاً مَّا بعوضةً فما فَوقَها] ، فما المقصود بالبعوضة وما المثَل الذي ضُرب بها ؟

هذا مقطع من سورة البقرة، الآية 26 [ إن الله لا يستحيي أن يضربَ مثلا مّا بعوضةً فما فوقها، فأمّأ الذين ءامنوا فيعلمون أنه الحقُّ من ربهم، وأما الذين كفروا فيقولون ما ذا أراد الله بهذا مثلاً، يُضلُّ به كثيرا ويهدي به كثيرا، وما يضلُّ به إلا الفاسقين ] والذي قاله بعض المفسرين : إن الله لما ضرَب للمشركين هذيْن المثَلين [ إن الذين تدعون من دون اللهِ لن يخلقوا ذبابا، ولو اجتمعوا له، وإن يسْلُبْهم الذُّباب شيئا لا يَسْتنقذوهُ منه، ضعُف الطالب والمطلوب / الحج ] [ مثلُ الذين اتَّخذوا من دون الله أَولياءَ كمثل العنكبوت اتَّخذتْ بيتا ً، وإنَّ أوْهَنَ البيوتِ لبيتُ العنكبوتِ لو كانوا يعلمون / العنكبوت ] فَعابَ عليهم تَعلُّقهم بآلهةٍ عاجزةٍ عن خلْقِ ذبابةً، وضعيفةٍ كضُعفِ بيتِ العنكبوت ووَهنِه بسبب شدة العَداء والفرقة بين أهله، عندها قال المشركون مستهزئين: وهلْ يا محمَّدُ للذباب والعنكبوت أهمية حتى يُذكَرا فيما تزعُم أنه يُوحَى إليك ؟؟

فأنزل الله هذه الآية [ إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما … ] مُبينا أنه عزَّ وجل لا يسْتنكِفُ أن يضْرب المثلَ بأيّ شيء خَلقَه، كبيرا كان أم صغيرا ، عظيما كان أم حقيرا، فهذا شأنُه في تعْظيم مخلوقاته، وإنَّ المؤمنين بالله ليعلمون أن المثلَ القرآنيَّ حقّ، وليزدادون به إيماناً وهدايةً، وإن الكافرين لينكرونه وليزدادون به فِسقاً وضلالاً ، هذا مُجمل معنى الآية، أمَّا ما ينبغي على المسلم أن يعلمه عن المثَل في القرآن، فهذا موضوعٌ يُطلَبُ في كُـتبِ (علوم القرآن) ونُوجزُ فيه الحديث الآتي :

المثل في اللغة قولٌ مأثور وجيزُ العِبارة يحمل فكرةً صائبة، أو قاعدة أخلاقية، يتلفَّظ به شخصٌ في واقعةٍ أوظرفٍ معيَّن فيَتَقاوَلُه الناسُ في وقائعَ ومناسبات مَثيلة للواقعة والظرف الذي قيل فيه، كقول الناس: (جَزاءُ سِنِّيمار) ، ( يَداكَ أوكَتا وفُوكَ نفَخ ) وللمثل مَوْرِد ومَضرَب، فالمورد هو الحادثة أو القصة التي قيل فيها، والمضرَبُ هو المناسبة التي يستعمله الناسُ فيها .

و كان العربُ في جاهليتهم يضربُون الأمثال في وقائع أيامهم وظروف حياتهم، ويحتجُّون بها في أقوالهم، ويعتمدون عليها في ضبْط أخلاقياتهم، ولما أخذ القرآنُ يتنزل على النبي صلى الله عليه وسلم بلسان العرب وعلى وجوه كلامهم كان من حكمة الله تعالى أن يضربَ القرآنُ للناس الأمثال التي تبينُ عقيدةَ التوحيد الخالص وأخْلاقيات الإسلام السَّمح، ليُعرفوا بها الحقَّ من الباطل والحسَن من السيّئ وليتَّعظ بها أولوا العلم والنُّهى [ ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كُل مثل لعلهم يتذكَّرون/الزمر] [ وتلك الأمثالُ نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون/ العنكبوت]

وقد ضمّ القرآن الكريم في هذا السياق كثيرا من آيات الأمثال إلى جانب آياتِ الحلال والحرام، وآيات المحْكَم والمتشابه وآياتِ الوَعْد والوعيد، فضُربتْ فيه للناس أمثالٌ كثيرةٌ كهذا المثل الذي يُبيّن أثر الصدقة التي يُعطيها صاحبُها ريَّاءً غير مُبتغٍ بها وجْه الله، والصدقة التي يُعطيها صاحبها خالصة لله: [……كالذي ينفق ما له رِئـاءَ الناس ولا يومن بالله واليوم الآخر، فمثله كمثل صَفْوانٍ عليه تُراب ٌ فأصابه وابلٌ فتركه صَلدا ً لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ومثل الذين يُنفقون أموالهمُ ابتغاءَ مرضاةِ الله وتثبيتاً من أنفسهم كمثل جنّة برَبْوةٍ أصابها وابل فآتت اُكلها ضِعفيْن، فإن لم يصبْها وابلٌ فطَلّ / البقرة ] وكهذا المثل الذي بيَّـن خطورةَ أكل الربا [ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقومُ الذي يتَخَبَّطُه الشيطان من المسّ…/ البقرة ].وكهذا المثل الذي يوازنُ بين أثرِ الكَلِمِ الطيّب والكَلمِ الخبيث [ ألمْ تَرَ كيف ضرب الله كلمةً طيبةً كشجرة طيبةٍ أصلُها ثابت وفرْعها في السماء توتي أُ كْلَها كلَّ حين بإذن ربها، ويضرب الله الامثال للناس لعلهم يتذكرون، ومثل كلمة ٍخبيثة كشجرة خبيثة أُجْتُثّت من فوق الأرض ما لها من قرار / إبراهيم ]

وذكرالنبي صلى الله عليه وسلم أنّ الأمثالَ وَجْهاً من الوُجوه التي نزل عليها القرآن فقال: [ إنَّ القرآن نزل على خمسة أوْجُه، حلالٍ وحرامٍ ومُحكمٍ ومُتشابه، وأمثالٍ، فاعمَلوا بالحلال، واجتنبوا الحرام، واتّبعوا المحكَم، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال] ، وقال سيدنا عليّ [ إن الله أنزل القرآن آمراً وزاجراً وسنَّةً خاليةً ومثلاًَمَضروبا ]، و قال الإمام السيوطي: [ ضرْبُ الأمثال في القرآن يُستفاد منه أمورٌ كثيرة التذْكيرُ والوعظُ، والحَثُّ والزجْر والاعتبار، والتقرير، وتقريبُ الْمُرادِ للعقل وتصويرُه بصورة المحسوس] .
والسلام ، مع مُقدَّم الشكر وحُسن العِرفان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التحقق البشري


إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock