أخبار العالم

شركات الأوف شور.. خدعة النظام العالمي لتقنين سرقة العالم الثالث

بدءا من السابع عشر من شهر أكتوبر عام 2011 ، بدأت تتسرب إلى بعض الصحف الألمانية والأوربية، نتائج بعض التحقيقات الصحفية الجريئة، لما أصبح يعرف باسم ” الرابطة الدولية للصحفيين الاستقصائيين ” International Consortium of Investigative Journalists ( I.C.I.J).

تضمنت هذه التحقيقات معلومات ووثائق عن أسماء أشخاص وشركات وصناديق استثمار ، ومؤسسات أعمال تتحرك خارج أطار القوانين والنظم الضريبية للدول ، فيما يشبه شبكات إجرامية ، وتحالفات دولية شبه منظمة.

هذه الوثائق أمكن الوصول إليها من خلال تسريب ملايين الوثائق المخزنة فى قاعدة بيانات إحدى الشركات المسئولة عن إدارة جزء من هذا النشاط على المسرح العالمى والمسماه “موساك فونسيكا Mossack Fonseca” فى جمهورية بنما بأمريكا الوسطى.

الخبير الاقتصادي الدكتور عبدالخالق فاروق، أعلن عن إطلاقه حملة عبر صفحته على موقع فيسبوك، لتحليل الأسماء التى تبين أنها كانت جزء من فضيحة أوراق بنما.

وحول طبيعة هذه الحملة، قال الخبير الاقتصادي المعروف: “أقوم بتصنيفها عائليا ، وسوف أنشرها عليكم تباعا خلال الأيام القليلة القادمة وكل سنة ومصر منهوبة عادى جدا أيه يعنى بلد مسروق منذ أكثر من عدة آلاف من السنين”.

شركات الأوف شور OFF-SHORE

يتقن العقل الاستعمارى الغربى كل فترة تاريخية ، ابتكار الصيغ والأشكال والمسميات الجديدة للعمل الاقتصادى والمالي، تجنبا للإحراج من ناحية، وطمسا للذاكرة الوطنية لدى كثير من الشعوب التى عانت من ممارسات المحتل الغربى خصوصا فى عالمنا العربي.

ومن هنا ابتكر تعبيرات جديدة مثل الخصخصة Privatization ، أى بيع الأصول المملوكة للدولة إلى ما يسمى المستثمرين المحليين أو الأجانب ، ونظام B.O.T ، بكل مشتقاتها اللغوية والقانونية ، التى يقصد منها إعادة أحياء نظام الامتيازات الأجنبية القديمة بصيغ جديدة.

كما جاء إلينا بعد هزيمة مشروعات التنمية الوطنية فى مطلع السبعينات، بتعبيرات من قبيل “تحرير الاقتصاد” و “ترشيد الدعم” و “برامج التثبيت الاقتصادي” Stabilization ، و “برامج إعادة الهيكلة” Structural Readjustment .

كما ابتكر منذ منتصف السبعينات أيضا آلية جديدة للعمل الاقتصادى المحلى والدولى عرفت باسم شركات الأوف شور OFF-SHORE ، والتى قصد منها إنشاء كيانات سواء كانت شركات أو صناديق استثمار ، تسجل فى بعض الدول والجزر والولايات والدول ، دون تسجيل بيانات كاملة عن المؤسسين والمالكين ، فقد يكفى وجود وكيل قانونى ( مثل مكتب Mossack Fonseca فى جمهورية بنما بأمريكا الوسطى وغيره كثير ومنتشر فى بعض الدول والأقاليم ، أو تتولاه أقسام الاستثمار فى بعض البنوك الكبرى أو المتوسطة ، وأحيانا البنوك الصغرى مقابل الحصول على عمولة أو رسم تسجيل.

وأجبرت بقية دول العالم المنهوبة ( مثل حالة مصر ) ، إلى تغيير تشريعاتها وقوانينها ونظم الاستثمار فيها ، بما يسمح بعمل ونشاط تلك الشركات الشاذة ، تحت وهم وخديعة وشعار ” تشجيع الاستثمار ” و” جذب الاستثمار الأجنبى ” و ” تحطيم الروتين والبيروقراطية الحكومية ” وغيرها من الشعارات الزائفة .

اقرأ أيضا: ننشر ملف فساد داليا خورشيد زوجة محافظ البنك المركزي

وقد تلاقت هذه الحركة على المسرح العالمى منذ منتصف السبعينات ، مع تغيرات داخلية عميقة فى الدول المستهدفة ( ومنها مصر طبعا ) ، عبر خلق طبقة رأسمالية جديدة من النوع الطفيلى والكمبرادورى ، تنسجم مصالحها تماما مع الأطراف الدولية الكبرى ، والمؤسسات التمويلية الدولية ( مثل البنك الدولى وصندوق النقد الدولى ) ، ومع تلك الأفكار والآليات الجديدة ، وأبرزها شركات الأوف شور ، التى كانت فى كل هذه الحالات مجرد مكتب فخيم فى بناية فاخرة فى أحدى الجزر أو الأقاليم المتمتعة بوضع خاص داخل هذه الدول .
مخاطر شركات الأوف شور

وتتميز شركات الأوف شور بالنسبة لأصحابها بالمميزات التالية :

1- أنها توفر درجة عالية من السرية فى ممارسة نشاط أصحابها ، فلا يحتاج الأمر تسجيل أسماء أصحابها فى الكثير من الأحيان .

2- كما أن رأس مال تلك الشركات ، أو الكيانات التى لا تعدو أن تكون مكتب أو شقة فى بناية فاخرة ، قليل جدا قد لا يتعدى عدة مئات من الدولارات أو الجنيهات الإسترلينية .

3- دائما تؤسس تلك الشركات أو الكيانات فى جزر أو أقاليم أو دول توفر لها ملاذات ضريبية آمنة، حيث لا توجد أستقطاعات ضريبية ، أو لو وجدت فهى متدنية للغاية لا تشكل أبدا عبئا على أنشطة هذه الشركات أو الكيانات التى قد تكون حركتها المالية تتعدى مئات ملايين الدولارات .

4- بتأسيس هذه الشركات الشاذة فى هذه الدول الأجنبية ، تتحرك إلى المرحلة الثانية وهى الانتقال للعمل فى الدول المنهوبة ( وفى طليعتها مصر طبعا ) ، حيث يجرى معاملتها كشركة أو كيان أجنبى يتمتع بكل مزايا وأعفاءات وحصانات الاستثمار الأجنبى ضريبيا وجمركيا وفى حقوق العاملين التأمينية ، والأهم فى حرية دخول وخروج أموالها وأرباحها .

اقرأ أيضا: من هم “حيتان” العائلات المصرية في غسيل الأموال والتهرب الضريبي؟

5- ولم يكن غريبا أبدا أن يدير هذه المنصات الاستثمارية الأجنبية أفراد تدربوا فى البنوك الأمريكية والبريطانية التى ابتكرت هذه الصيغ من أمثال جمال مبارك – علاء مبارك – ياسر الملوانى – فاروق العقدة – وعشرات غيرهم ، ( راجع كتاب الدكتور عبدالخالق فاروق: كيف نهبت مصر 1974-2018) .

6- غالبا لا تخضع أنشطة هذه الشركات الأجنبية للرقابة الجادة والحقيقية من الجهات المختصة فى البلدان المنهوبة ، سواء بسبب قدرة أصحابها على الولوج إلى دوائر اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية ، أو بسبب صلات قرابة بأصحاب السلطة التنفيذية والتشريعية ( كحالة الدائرة المقربة لكبار المسئولين فى مصر ) ، أو بسبب قدرتها على إغراء وإغواء المسئولين فى تلك الجهات الرقابية المختصة ( البورصة – سوق الأوراق المالية – هيئة الرقابة المالية – البنك المركزى ) ، سواء بتعيينهم بمكافآت ضخمة ، أو تعيين أبنائهم وأقربائهم أو غيرها من الأساليب .

فما الذى توفره شركات الأوف شور لأصحابها ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock