الاخبار المحلية

تشييع جنازة الشيخ ابراهيم صويلح رحمه الله.. بقلم الذكتور عبد النور خبابة

رجل كالفلك والنّجوم في أخلاقه

تشييع جنازة الشيخ ابراهيم صويلح رحمه الله..
أظلم النّهار ورقّت صفحات القلوب جاثية كأنّها في صلاة حزن جفّت لها الحواس في معابد الطّبيعة وملئت بالدّموع ، بمعنى الحبّ الذي ودّعنا معانقا جسد التّراب كزهرة دفنها الغدير الصّافي في عروقه وراح ينفخ في كلّ دمعة ، في كلّ كلمة ، في كلّ صوت خانه الصّدى معنى من الحياة ، وصدرا من العاطفة ، وقلبا بحجم العالم تنتهي إليه النّفوس الموجوعة التي طردها الأسى والظّلم والألم.
إنّنا اليوم نقف مودّعين قمر الكلام ، ونجم الأمان ، وشهاب الفضيلة ، وشمس الحكمة ، وبدر الضّمير الذي أفل تاركا خلفه الحياة في يد الموت ، في حضن الغيوم الممزّقة ، في قلب الأيّام الخالية .
رجل كالفلك والنّجوم في أخلاقه ، لامع في طيبته ، كبير في عطائه ، صاف في تعاملاته ، قويّ في عطفه ، ضعيف في قوّته فخر مدينة رأس الوادي التي عايش فيها عن قرب ضعيفها وصغيرها ، قويّها وفقيرها ، رجل أخرجه الموت إلى التّاريخ بمقدار من الذّهب ، رجل أبكى صخور المدينة ، أسال دموع الأمكنة ، أفاض حزن الشّوارع والممرّات ، رجل انعكست خصاله في عيوننا المودّعة لندفنه فيها كالذّكرى الطيّبة التي لا يقتلها الموت تحت الأرض .
رجل احتشدت له جموع من كلّ حدب وصوب ، جاءت من بعيد وقريب لتلقي وداعها الأخير مشيّعة جثمانه بدموعها ، بأساها ، بألمها الذي انتزع كالقبر من الصّدر ، سعير يتلظّى في كلّ نفس رفعت دعاءها وتساقطت إلى الأرض شيئا فشيئا حتّى انتهت
إنه الشيخ الفاضل الوقور ابراهيم صويلح رمز من رموز رأس الوادي ، رجل كرّس حياته في خدمة دين الله تعالى ، رجل سبق كرمه خطواته ، رجل كالمأوى الهادئ لمن أثقلته القيود والمخالب والأنياب .
إنّ الأرض لحزينة ، وإنّ العيون لباكية ، وإنّ القلوب لمودّعة ، وإنّ النّفوس لراضية بقدره ، بغروب الشّعاع في ألحاظ النّظرة المحطّمة ويبقى مهما قلنا وبكينا كلّ لفظ كالقبر ، وكلّ معنى كالموت ، وكلّ فقد كالدّمع ، وكلّ حرف كلهب الصّمت .
هكذا ودعت جموع المواطنين من رأس الوادي والمناطق المختلفة من الوطن شيخنا سيدى الحاج ابراهيم ، في جو جنائزي مهيب تركنا كالغرقى في أعماق اليم ، كالبقايا في فتات الزّجاج ، كالرّذاذ في نسمات البكاء الأليم
رجل سكن القلوب والعقول والأفكار لا يقدر أحد على ردّ كلمة تخرج من صمته ،رجل سبقت أفعاله أقواله ، وتجاوزت حكمته قوّة الزّمن ، استطاع كثيرا أن يحل القضايا الشائكة بالمنطقة ، رجل أسهم في تعليم وتحفظ القرآن الكريم للكثير من الطلبة من مختلف ربوع الوطن بالمدرسة القرآنية لزاوية بلعيساوى
ومهما أسعفتنا اللغة سيظلّ عصيا عليها ، على جيوش كلماتها ، على قوافل حروفها التي ستظلّ صغيرة أمام عطاء هذا الرّجل الكريم الذي أفنى عمره نفسا نفسا ، وقطرة قطرة في سبيل الإسلام وتحفيظ القرآن الكريم وتعليمه للأجيال دون أن يثبّطه حائل أو مرض أو تعب
هذه هي النفوس الكبيرة التي تعجز الأرض عن حملها ، ويعجز القلب عن تسليمها للنّسيان فرحمة الله تعالى عليك أيّها الفذّ الكريم .
بقلم عبد النور خبابة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التحقق البشري


إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock