أخبار ثقافية

الكتابة حياة

الكتابة حياة
الكتابة كالحياة لا ننجبها إلاّ بجرح ، أو تجربة ، أو خذلان ، أو ألم ما ، أو رغبة دفينة تطفو على معجم الأيّام فترى الكاتب المقنع من يملك أكبر رصيد من الوجع ادّخره لنفسه في صناديق القلب التي لا نملك مفاتيحها إلاّ إذا أبكانا الزّمن وجعل المطر الذي بداخلنا يتكلّم .
عندما نكتب نحجز للذّكريات مقعدا دائما بين رفوف الأوراق التي يأخذها قطار البحث عن شيء مريح بين المحطّات المقفلة ، ونحوّل الشّعور الذي لا يُرى إلى نصوص يتداولها النّاس رغبة في إضاءة جوانبنا المظلمة ، و نركض كما لم نفعل قبلا بين الحروف وما يتخفّى تحتها لنجعل حياتنا مشرّعة على أبواب هذا العالم الذي لم يعد يشعر بالأفكار التي تموت داخل أصحابها وتبقى في الذّهن مريضة بالصّمت .
الكتابة على وفاق دائم مع الصّمت لأنّ الصّمت وحده قادر على تفجير فجوة الفراغ التي تراكمت حتّى صارت محتقنة بالرّفض .
لا يستطيع الواحد منّا أن يكتب وهو خارج عن دائرة الكتب ، وتجارب من سبقوه ، فالذّهن في حاجة ملحّة إلى الصّور والأشكال والقوالب التي تأخذ حيّزا واسعا من الحروف لتخرج في نهاية كلّ كتابة قراءة جديدة للعواطف التي يملكها الجّميع ، ولا يملك قلمها إلاّ القلّة ممن يدركون مهارة التّعبير رغبة في ردم النّقص ، أو تجاوزا لموقف ، أو ترميما لأمنية لا تتحقّق إلاّ من خلال الكتابة عنها .
الكتابة اختراع الرّوح للتّنقيب عن مدافن هذا الجسد الذي يرفض أن يبقى أداة في يد الواقع ، الكتابة هجرة غير متوقّعة من المكان بحثا عن زمن جديد يمكن العيش بداخله دون حواس ، الكتابة كالرّسم تمرّد على الألوان التي تصنع لنا عالما نريده ونفتقده .
ما نملكه لا نراه وما نفقده بشدّة هو الذي يحرّك قلم الكتابة بداخلنا ، فيتعكّر مزاج الصّمت ويتدفّق ألم الفقد لنطارده كفراشة هشّة ذابت في الهواء .
نحن لا نكتب لأنّنا ننوب عن الرّوح التي لا تتكلّم ، بل نكتب فرارا من أنفسنا التي لا تقنعها المبرّرات ، نكتب لنجعل ما يؤلمنا أكثر تحمّلا ، نكتب لأنّ الصّوت الذي تعب من الحفر لا يجد صداه . فالكتابة أوضح من الكلام أحيانا لأنّها توثّق اللّحظة ، وتجعل الفكرة محنّطة داخل توابيت الانتظار لا يقتلها الموت ولا الزّمن تعيش أكثر منّا ، وتعمّر أكثر من النّخلة .
الكتابة طريق مختلف لا تتّضح تفاصيله بمجرّد السّير فيه لأنّه معبّد بلغة تتعدّى الحروف الجامدة وتتجاوزها إلى ما لانهاية من المشاعر ، والتّجارب ، والأخلاق ، والمكتسبات الانسانية التي لا يفهمها أحد إلاّ إذا تعمّق فيها تعمّق عالم الآثار الذي يبحث في الحياة المنتهية ليوثّقها كما عاشها أصحابها عبر الزّمن .

✍️ بقلم عبد النور خبابة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock