أخبار ثقافية

أغلب الروايات تفتقد إلى المكان كأنها تعاني أزمة سكن

الكاتب والناقد جمال غلاب لـ"المساء":

الكاتب والناقد جمال غلاب لـ”المساء”:
أغلب الروايات تفتقد إلى المكان كأنها تعاني أزمة سكن
اتصلت جادت” بالكاتب والناقد الأدبي جمال غلاب، وطرحت عليه مجموعة من الأسئلة المتعلقة بشتى المواضيع، من بينها إصدار كتاب جديد وتوزيع كتبه بالمجان وقضية كتابه “سرفنتاس”، إضافة إلى علاقة الكاتب بالنقد والبحث ومسائل مرتبطة بالمرأة والأمازيغية، فكان هذا الحوار.

❊ ستصدر في الأيام المقبلة، كتابا جديدا يبحث في مسألة إخفاق الجزائر في مواكبتها للنهضة الأوروبية (1789م)، حدثنا عن فحوى هذا المؤلف، وكيف كانت رحلة جمع المعلومات، خاصة أنه موّثق بشهادات كتاب رحالة وموظفين في ديوان الداي؟

❊❊ من خلال القراءات والتحقيقات التي أجريتها طيلة الـ10 سنوات الماضية، في الحركية الاجتماعية والثقافية والسياسية للجزائر، عبر مسار تاريخي طويل، اكتشفت أن الشعب الجزائري يمتلك كل مقومات النهوض في أية لحظة، ففي الكتاب الذي أصدرته سنة 2005، والمعنون بـ«سرفنتاس في الحامة”، وقفت على حقيقة أدهشتني كثيرا، مفادها أنّ مخائييل سرفنتاس (1575 إلى 1580)، وهي الفترة التي قضاها في الأسر هنا بقصبة الجزائر، ومنحته الشهرة العالمية من خلال كتابته لأول عمل في جنس جديد متمثل في الرواية، كان قد خطها في مغارة “سرفنتاس” في بلكور، بعد هروبه من سجن “البايلك” واختفائه في مغارة بلكور. في هذا الحيز الزمني ولأن السوق كان يعقد بثلاثة أيام، كان سرفنتاس يخرج إلى السوق مختفيا ويحضر الحلقة في السوق الأسبوعي (تافورة). وفي نقاش دار بيني وبين مبدعين في معهد “سرفنتاس”، صرحوا لي بالحرف الواحد، أن الجنس الروائي لا علاقة له بالأدب الغربي، بل جاء به مخائييل سرفنتاس من الجزائر. والسؤال المطروح “هل الشعب الذي يمنح مثل هذا العمل الراقي، وهو الرواية، يحتاج إلى من يحضره، مثل ما تدعي الصحافة الكولونيالية في باريس حاليا، وأنهم جلبوا الحضارة إلى الجزائر وهم من حضروا الجزائريين؟

أعود إلى الكتاب الذي سأصدره قريبا، والمتعلق بسبب إخفاق الجزائر في مواكبتها للنهضة الأوروبية (1789م)، وأقول؛ الجزائر من حسن حظها، كرّمها الله بمثقف أمريكي، جيمس تاكثارت، وقع في الأسر بالجزائر واستطاع بحنكته أن يصبح رئيس ديوان الداي (رئيس حكومته)، وفي هذه الفترة كانت أمريكا مستعمرة إنجليزية ومضايقة من فرنسا وإسبانيا، فطلب تاكثارت من الداي مساعدة بلده لنيل استقلالها، فكلّفه بالملف وصار هو من يكتب الرسائل إلى جورج واشطن، وما تجدر الإشارة إليه، أن الملف كاملا سلمته كونديليزا راس إلى بجاوي، وزير الخارجية الأسبق، وأملك نسخة من هذا الملف بمكتبتي وسأنشره كاملا في الكتاب، وبالفعل منح الداي جواز سفر إلى السفن الأمريكية، وصارت تصل إلى البحر الأبيض المتوسط، وتحت حماية الأسطول الجزائري.

في السياق نفسه، أحس رئيس الديوان الداي والمواطن الأمريكي بشيء غير عادي يطبخ في أوروبا (1735م)، ينطوي على النهضة، يتمثّل في تطوير التعليم وبناء الجامعات والمعاهد، وولوج عالم التقنية في المحركات البخارية، فحاول مسايرة هذه النهضة، وعرض على الداي التالي “تحرير التجارة الخارجية وتطوير التعليم، ومواكبة ما يجري في أوروبا من خلال شراء الأدمغة، ما دامت الخزينة عامرة، فكان رد الداي “حذار الاقتراب من الخزينة، فهي للاحتياط لسنوات العجاف”؟ ومن هنا ضيّعنا عامل المسك بحبل النهضة، نتيجة خطأ سياسي ساذج وتفاصيل أخرى تجدونها في الكتاب، عن الرسامين والكتاب في سجن “البايلك” وسجن “جاليطة” وغيرها.

❊ كيف جاءت فكرة توزيع الكتاب بالمجان، ولماذا؟

❊❊ وضع الكتاب مزري ومن يكتب باللغة العربية مهان، وهناك لوبي يحارب اللغة العربية، ويمكنك أن تكتب بأية لغة، فهو مرحب بك وتفتح لك كل الوسائل والدور، رغم أن الدولة تنفق بسخاء، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، دور النشر لا تدفع مستحقات الكاتب وبدون حياء ولا خجل، فهي تطلب منه مبالغ مالية خالية مقابل النشر والطبع، ومتى طبع الكتاب، لا يوزع ويتهمون الجمهور بعدم القراءة. أمام هذه الوضعية الكارثية، القارئ لم يعد يجد ما يقرأ لأن الكتاب لا يصل إليه، وككاتب ومن باب المسؤولية على تثقيف أبناء مجتمعي، عشت لسنوات محرجا أمام ضميري أولا، وأمام التاريخ، فقلت في نفسي؛ مادمت خسرت مستحقاتي، فلماذا أخسر القارئ؟ واهتديت إلى توزيع كتبي عن طريق “الفيسبوك”، وكم كانت دهشتي عظيمة، حيث وزعت أكثر من 4 آلاف نسخة لرواية “تريمادور”، وطلبت مني دار نشر عراقية، طبعها ورقيا ووافقت، وفي مصر أيضا. كما وصلت الرواية إلى إيران والسودان وأغلب الدول العربية، وواصلت التجربة مع الأعمال الكاملة لـ”إيزابيل ابرهاردت”، و”ظلال من الجزائر”، ومن “ذلك الليل” و”سرفنتاس في الحامة” باللغة الفرنسية.

❊ أصدرت كتاب “الأعمال الكاملة لإيزابيل ابرهاردت”، فهل يرجع ذلك إلى تأثرك الكبير بها؟

❊❊ لم أتأثر بإيزابيل ابرهاردت، فهذه الطبيبة والكاتبة والصحفية كتبت الكثير عن الجزائر، وما تركته من تراكمات ثقافية، يعدّ بمثابة تاريخنا الثقافي، فمن خلالها اكتشفت فكتوري باري كوند المدفون في مقبرة بولوغين ظلما، لأنه مسلم. ومن خلالها اكتشفت جريدة “أخبار” التي كان يموّلها تجار القصبة وباب الوادي، ثم فيما بعد “لالة زينب”، ومن خلالها اكتشفت أن الجزائر لم تكن محتلة من طرف فرنسا فقط، بل من أغلب الدول الأوروبية، عن طريق الفيالق الأجنبية. إيزابيل ابرهاردت التي أوصت بدفنها في مقبرة عنابة بجوار أمها فاطمة (نتالي)، تستحق مني أولا كل الجهد لبعث أعمالها حتى تقرأ من الجزائريين، وتحتاج ثانيا إلى قرار إعادة الاعتبار لها على الأقل. في المقابل، قمت أيضا بترجمة المجموعة القصصية لإيزابيل ابرهاردت، بعنوان “من ذلك الليل”.

❊ ماذا عن كتاب “ظلال من الجزائر”؟

❊❊ كتاب “ظلال من الجزائر” جدير بالقراءة، وأتمنى من كل الصحفيين قراءته، لأنه يدور حول الإعلام والصحافة، فهو ملخص لجلسات نظمها الكتاب الرحالة من فرنسا وبلجيكا وسويسرا. ومن حسن حظي، أنني حضرتها كلها، وفي هذه الاقامات الإبداعية، تناولوا تقريبا كل ما كتب عن الجزائر، حينها تركز النقاش حول إيزابيل ابرهاردت وفكتوري باري كوند ولالة زينب وعمر راسم وبوبكر النايلي وتريمادور وبيرن العمري بلهواري، هؤلاء جميعا جمعتهم جريدة “أخبار”، وتقريبا هذه الجريدة تعتبر بمثابة المنظومة الثقافية والفكرية والأدبية للجزائر في سنوات الاحتلال، لأنها كانت تصدر باللغتين العربية والفرنسية، وكانت تموّل من طرف تجار القصبة و«لالة زينب”، وما يؤسف له، وربما سهوا، يكون أحمد توفيق مدني قد صنفها ضمن جرائد المحتل، في حين هي جزائرية الفكر والمضمون. والمدهش في هذه الجريدة التي عمّرت لأكثر من 34 سنة، أي من سنة 1900 إلى 13 فيفري 1934، وكانت متذبذبة الصدور لأنها كانت جريدة معارضة للاحتلال. ففي عام 1904، قال عنها الحاكم العام للجزائر جونار “عصابة هذه الجريدة تريد شن انقلاب علينا، وفعلا فهي من ساندت لالة زينب حينما خاضت معركتها القضائية ضد كوشار، حاكم بوسعادة. كما كان فكتوري باري كوند مدير جريدة “أخبار”، يسرب برنامجه السياسي من أجل إعطاء الحقوق السياسية والمدنية للجزائريين، وإلغاء قانون “الأنديجانا” وإصلاح التعليم في الزوايا المطالبة باستقلالية التسيير للزوايا.

❊ كيف لكتاب”سرفنتاس في الحامة” أن يظل سجين مكتبة الحامة؟

❊❊ كتابي المعنون بـ”سرفنتاس في الحامة” وراءه قصة، ومن خلالي في جانفي 2005، نظم معهد سرفنتاس الإسباني بالجزائر، ندوة حول رواية “دون كيشوت”، وفي ختام الندوة قرأ مدير المعهد بلاغا صادرا عن الديوان الملكي، ملخصه الاحتفال بمرور 400 سنة على كتابة رواية “دون كيشوت”، وتنظيم 2000 تظاهرة ثقافية في العالم، واختيار أربع عواصم للاحتفالية، وهي نيورك وألمانيا وفرنسا والجزائر. وفي لقاء جانبي مع مدير المعهد، أخبرته بأنني كتبت نصا طويلا حول السيرة الذاتية والإبداعية لـ«مخائييل سرفنتاس”، وكان رده كله حماسا كي تقوم السفارة بطبعه ونشره وتوزيعه، لكن أنا وجهة نظري كانت في محلها، حيث قرأت الحدث قراءة سياسية، وقلت في نفسي “الجزائر أولى بهذا الافتخار والتشريف”، وعلى السريع، اعتذرت من مدير المعهد وتوجهت مباشرة إلى مقر وزارة الثقافة، ورغم ترحيب مديرة الديوان ياحي، والوزيرة السابقة تومي، إلا أنني تعرضت إلى البيروقراطية، وفي هذا الحيز الزمني اشتغلت بإهداء الكتاب بالمجان، حيث قمت بتوزيع أكثر من 300 نسخة على السفارات والوزارات والمنظمات العالمية المتواجدة في الجزائر، وفي هذا السياق، بعث رئيس الحكومة آنذاك، السيد أحمد أويحيى لي رسالة شكر باسم الحكومة. وأجمل ما في هذا الحدث الثقافي العالمي، أن الجزائر شاركت بكتابي “سرفنتاس في الحامة” وبطابع بريدي به صورة “مخائييل سرفنتاس”، بعدها عدت لمعرفة مصير كتابي، وأول من اتصلت به، ربيعة جلطي مديرة الكتاب آنذاك، فكان ردها “تريد أن تظهر، انتظر 40 سنة مثلما حدث للراحل عبد الرحمن الجيلالي”، ثم توجهت إلى قانة عرفات، نائب مدير الكتاب بالوزارة لمعرفة مصير كتابي، متوسلا له الوصول إلى أكثر من 2000 نسخة، فكان رده “نسخ كتابك متواجدة بالمكتبة الوطنية”، وهناك كانت الفاجعة وكان الإجرام بكل المواصفات والتفاصيل، لقد تعرض كتابي للأسر من مدير المكتبة الوطنية، أمين الزاوي”، وفي آخر نظرة إليه في دهاليز المكتبة الوطنية، قلت “يا مخائييل سرفنتاس، تعرضت للأسر مرتين؛ مرة بين سنتي 1575 و1580، وفي المرة الثانية في ماي 2005 إلى يومنا هذا..”، بكيت ونسيته.

❊ ماذا تقول عن واقع الساحة الأدبية، خاصة مع ظهور كم كبير من الروائيين الشباب؟

❊❊ أقول ما قاله طاهر وطار.. الأدب الاستعجالي، فأغلب النصوص التي اطلعت عليها من باب الفضول عبارة عن تقارير إدارية ومجموعة قصاصات لجرائد. النص الروائي عالم آخر، هو مدينة متكاملة، لذلك لا يمكن الاعتماد على عنصر واحد من السرد كاللغة، ونقول بأن هذا الروائي يمكن تصنيف عمله في الجنس الروائي. وعناصر السرد معروفة (اللغة القريبة من الشعر والحدث والمكان والزمان والشخوص والحوار والخيال والوصف)، فهذه العناصر السردية الثمانية متى توفرت في النص الروائي كان ناضجا. وأعطيك مثالا عن أغلب الروايات التي تفتقد لمكان، كأنها تعاني أزمة سكن، ومنها من يفتقد للزمان، وهي التي لا يعرف صاحبها هل هو يكتب في الليل أم النهار؟ وفي أي فصل من الفصول الأربعة؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التحقق البشري


إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock