بيع بالمزاد العلني للمحضر القضائي

أطفال برتبة مربيات وبيوت تتحوّل إلى إقامات جبرية صيفية

لا يكاد ينقضي الموسم الدراسي، حتى يجد الكثير من الأولياء أنفسهم أمام مأزق توجيه أطفالهم، في ظل غلق المدارس، دور الحضانة، و برمجة عطلتهم السنوية التي لا تستغرق أكثر من شهر، ما يؤثر في شريحة هشة تجد نفسها تلعب أدوارا أكبر منها، حيث يتحوّل الطفل إلى مرب لأشقائه، و يحبس بين جدران البيت ليوم كامل أمام فراغ لا تملؤه سوى شاشة تلفاز أو هاتف نقال.

هكذا بات معنى العطلة الصيفية بالنسبة للكثيرين اليوم، بعد أن فقدت قيمتها الأصلية، كفرصة ينتظرها كافة أفراد الأسرة طيلة عام كامل من الدراسة و العمل و التعب، قصد الاستمتاع بأيامها لتجديد الطاقة، و تغيير الأجواء و كسر الروتين، من أجل العودة مجددا إلى الحياة الاجتماعية بحماس و نشاط أكبر.
بيت الجدة.. من قصص «كان ياما كان»
بعد أن تغير نمط الأسرة الجزائرية، و اختزل معه الكثير من عادات العطلة، بغلق أبواب أغلب الأجداد أمام أحفادهم، بعد أن كانت بيوتهم الوجهة المفضلة لقضاء عطلة صيفية ممتعة لا تنسى لأسباب متعددة، أو قضاء الصيف في بيت الخالة أو في الريف، بعد أن أصبحت كلها مجرد قصص في خيال أطفال الجيل الذهبي، بينما يحرم منها أطفال اليوم.
الملاحظ أن الكثيرين تخلوا عن استثمار العطلة في النشاطات الترفيهية عبر التسجيل بمراكز الشباب أو الالتحاق بالمخيمات الصيفية، كما أن انشغال الأم و الأب معا بالعمل ، ليصبح التفكير منصبا في من يتولى رعاية الأطفال خلال تواجدهما في مقر عملهما، بعد أن تحملت المدارس مسؤولية ذلك طيلة 9 أشهر، و كذا دور الحضانة التي تغلق أغلبها صيفا، و لا يفتح إلا عدد قليل منها تفرض شروطا خاصة من أجل التكفل بالأطفال خلال العطلة الصيفية، بما فيها رفع قيمة الخدمة التي تثقل أكثر كاهل الأهل.
عندما تتحوّل البيوت إلى سجون
يقبع عدد كبير من الأطفال خلال السنوات الأخيرة في منازلهم طيلة العطلة الصيفية، و لا يخرجون منها إلا نهاية الأسبوع من أجل التسوق أو الترفيه بإحدى الحدائق المجاورة أو التوجه للشاطئ للسباحة ، إستراتيجية جديدة، تتبناها العديد من الأسر الجزائرية في السنوات الأخيرة، خاصة في ظل إنشغال الأم و الأب بالعمل، و انحصار العطلة في فترة وجيزة، تجعل التكفل بالأبناء أمرا صعبا للغاية.
تقول السيدة آسيا، موظفة و أم لـ3 أطفال، بأنها تضطر إلى ترك أطفالها بالبيت بمفردهم طيلة العطلة الصيفية، لانشغالها بالعمل، و لعدم توفر راع لهم أثناء غيابها، و تضيف بأنها تقوم بغلق الباب بالمفتاح، و تتصل بهم بين الحين و الآخر عبر الهاتف، قصد الإطمئنان على سلامتهم، كما أنها تحضر لهم الطعام و كل ما يحتاجون إليه، و تحذرهم من فتح الباب أو النوافذ لأي كان.
إستراتيجية تتبناها أيضا السيدة سارة، التي تترك أطفالها الأربعة في البيت لمدة تتراوح بين 6 إلى 7 ساعات يوميا، بسبب ارتباطها بالعمل، مؤكدة بأنها مكرهة على ذلك، فلا خيار آخر لديها ، و ترى في الأمر نوعا من العمل الذي يساعد على تقوية شخصية الأطفال و تعليمهم تحمل المسؤولية، بعيدا عن مساعدة الأم بشكل خاص، و تقول بأنها تعتمد على التلفاز في ملأ فراغهم أثناء فترة غيابها.
يجد أغلب الأطفال ممن يحبسون في البيوت خلال عطلتهم الصيفية، أنفسهم أمام أدوار تتجاوز سنهم، شخصيتهم و قدراتهم على جميع الأصعدة، خاصة بالنسبة للابنة أو الابن الأكبر، الذي يتم تنصيبه من قبل الوالدين كمرب لأشقائه مقابل مكافأة مادية مغرية، و يكلف بتولى حراستهم و إطعامهم أثناء غياب الأولياء، كما يقوم بمراقبتهم ،خوفا من وقوع أي حادث منزلي مثل السقوط أو الإصابة بأدوات حادة.
و مهما كان سن الطفل الأكبر في العائلة، فإن ذلك لا يعني شيئا بالنسبة لبعض الأولياء، في ما يتعلق بتحمل المسؤولية و العناية بأطفال يقاربوه سنا، مفارقة كبيرة لا يعطيها الأهل إهتماما، خاصة و أنهم لا يفكرون في غير إيجاد حل، دون مراعاة إذا كان ذلك ممكنا أو أنه لا يؤثر سلبا على الأطفال الذين يحرمون من حقهم في الترفيه و الراحة، و الاستمتاع بالعطلة في جو عائلي لا يعوضه أي شيء.

أنس واحد من هؤلاء، يقول بأن أمه تحمله مسؤولية رعاية أشقائه الأصغر منه سنا، فرغم أن سنه لم يتجاوز 9 سنوات، إلا أنه يتحمل مسؤولية تفوق سنه و إدراكه، عندما يجد نفسه مضطرا لأن يكون أبا، أما و شقيقا في الوقت ذاته، غير أنه و كما تعترف والدته، يضطر أحيانا إلى البكاء عندما يتعذر عليه القيام بأمر لمساعدة إخوته، و يستنجد بها ، فيما يقوم الكثير من الأطفال بممارسة سلوكات خاطئة بعيدا أن أعين رقابة الأولياء.
أسر تستنجد بالقريبات والجارات
بينما تعتمد أمهات على رعاية أطفالها لأنفسهم أثناء فترة غيابهن، تلجأ بعض الأسر إلى الاستعانة بقريبات يلعبن دور المربيات، أو حتى شاب من العائلة، كما تقول سامية موظفة، حيث تطلب مساعدة إحدى قريباتها خلال عطل أطفالها التي تتزامن مع فترة عملها، من أجل رعايتهم خلال غيابها عن البيت، و تؤكد بأنها تحرص على عدم تركهم بمفردهم في البيت، خوفا من أن يصيبهم أي أذى، فيما تنقل إحدى زميلاتها بالعمل أطفالها يوميا إلى بيت جدتهم، معتبرة تركهم بمفردهم في المنزل خطرا كبيرا، قد تكون نتائجه وخيمة على الجميع.
و في المقابل، تلجأ بعض الأمهات للاعتماد على الجارة، لمراقبة أطفالها أثناء غيابها، حيث توصيها بتفقدهم بين الحين و الآخر، و تتصل بها هاتفيا من أجل الاطمئنان على سلامتهم، بحجة أنهم كبروا و أصبحوا قادرين على تحمل المسؤولية.
أطفال الماكثات بالبيت الأوفر حظا
يبدو أن أطفال الماكثات بالبيت أوفر حظا من أقرانهم أبناء الموظفات ، اللائي تغبن طوال السنة، و لا تبقين معهم سوى شهرا واحدا فقط في السنة، يعتبر قليل من أجل الترويح عن النفس و الإستمتاع بالعطلة الصيفية، فأبناء الماكثات بالبيت ينعمون بوجبة غداء ساخنة في وقتها، و يخرجون يوميا للعب و لو أمام البيت لإفراغ طاقتهم الكبيرة، كما أنهم يتوجهون إلى البحر في المساء أو نهاية الأسبوع، و يتفرجون على التلفاز و يمارسون مختلف الألعاب، كما يمارس بعضهم الرياضة أو حفظ القرآن الكريم.

الأخصائية النفسانية دلال حمادة
الخطر النفسي على الأطفال دون رقابة أكبر من الخطر المادي
تحذر الأخصائية النفسانية دلال حمادة ، من تفشي ظاهرة ترك الأطفال بمفردهم في البيت، دون رقابة أبوية أو من شخص راشد، مؤكدة بأنها تؤثر سلبا على نفسية الأطفال كلما كبروا أكثر ، مما قد يؤثر آنيا بشكل مادي، كالتعرض للحوادث المنزلية.
حيث تقول الأخصائية بأن المجتمع فرض على المرأة الخروج إلى العمل، و وضعها أمام إشكالية التكفل بأطفالها، خاصة في فترة العطل المدرسية، مشيرة إلى أهمية دور الأم في حياة أطفالها، خاصة و أن 90 بالمئة من الحاجيات المادية و المعنوية للطفل تغطيها الأم، و لا يغطي الأب سوى 10 بالمئة منها، مضيفة بأنه في غياب الأم تغيب قاعدة التربية.
و ترى المختصة بأن ترك الأطفال بمفردهم في البيت و إرغام الأكبر سنا على  رعاية إخوته الأقل سنا منه، يعد بمثابة حرمان من الطفولة، يكون تأثيره وخيما عليه بعد تخطي مرحلة الطفولة و بلوغ سن المراهقة، ما يفسر سلوكاته السلبية مع الأولياء، خاصة الأم، و العدوانية التي قد يتصف بها، و قد يمتد تأثير ذلك بالنسبة للبعض إلى الإنحراف.
و عن الحلول، تنصح المختصة الأمهات بشكل خاص بمحاولة عدم خلق مسافة بينهن و بين أطفالهن، معتمدات في ذلك على ضبط برنامج عطلهن على برنامج عطل الأطفال المدرسية، مع ضرورة منح القدر الكافي من الحب و الحنان لهم، و ضرورة طلب السماح و الإعتذار بسبب التقصير في الغياب طوال العام، مع التعهد بالتعويض عن ذلك أثناء العطل، خاصة و أن الطفل يقدر ذلك و يصفح عن أمه.
و بينما يغفل الكثير من الأهل عن أهمية العطلة الصيفية لأبنائهم، تتعالى أصوات الأخصائيين في عدم حرمانهم منها، و معاملة الطفل كطفل، بعيدا عن تقليده رتب لا تقدر أكتافه على تحملها، و إقحامه في نشاطات يبقى هو بحاجة لأن يأخذها من الأكثر منه سنا، و في انتظار يقظة الأهل و إيجاد حلول بديلة تنعكس إيجابا لا سلبا، تبقى حقوق الكثير من الأطفال مهضومة، في ظل صمت مجتمعي و حالات يبدو أنها بدأت تتحول إلى ظاهرة في السنوات الأخيرة.
إ. ز

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التحقق البشري


إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock